الأربعاء، 11 أغسطس 2021

أنجيلاس آشز .. سيرة شفافة

غلاف الفيلم
في مشهد مأساوي تختلط فيه النكهة الأمريكية بالإيرلندية، وفي مزاوجة بين اللقطات الواسعة للشاشة العريضة واللقطات القريبة التي تركز على تفاصيل الوجه البشري والملابس والأقدام، تهبط أسرة مكونة من أب وأم وأربعة أطفال من عربة القطار في “دبلن” شرق إيرلندا، وهم في حالة رثة، وملابس بالية، وشعر مجعد، ليكن في استقبالهم في الجانب الآخر جدتهم وأقرباءهم دون مصافحة وبسحنة قاسية غير مرحبة، لقاء جدير يوازي كساد الثلاثينات الميلادية، فيسير الكل منكسي الرؤوس في صمت مطبق نحو منزل الجدة.

ما سبق هو بعض من أشهر المشاهد الأسلوبية في السيرة الذاتية للإيرلندي/ الأمريكي فرانك ماكورت (1930-2009) في روايته الناجحة “أنجيلاس آشز” التي تحولت إلى فيلم أكثر نجاحاً، والذي كان يبحث فيها عن تسوية للحسابات مع الوالدين عبر سيرة ذاتية فاضحة تضيء عتمات الأعماق، وتنير دهاليز النفس، يحاول أن تكون السيرة دواء وعلاجاً، بالموازاة مع رغبة الاكتشاف وضرورة التحلي بجرأة مواجهة الذات في مراياها الداخلية، حيث البشر عرايا أمام أنفسهم، ولا سبيل إلى مخادعة المرايا الشفافة الكاشفة لكل الأفكار المكبوتة والمقموعة والغريبة. 
ذكر في روايته السيرية الأولى «رماد أنجيلا Angela’s Ashes» الصادرة عام 1996 سلسلة من الاعترافات بدأها من منشأ ولادته في منطقة بروكلين الإدارية في مدينة نيويورك، في 19 أغسطس 1930 لأب هو ملاخي ماكورت (31 مارس 1901 - 11 ينأير 1985)، الذي ادعى كذبًا أنه كان في الجيش الجمهوري الأيرلندي خلال حرب الاستقلال الأيرلندية، ولأم كاثوليكية أيرلندية هي أنجيلا شيهان (1 ينأير 1908 - 27 ديسمبر 1981) من ليمريك، التي وصفت الرواية بأنها رواية تتجنب الكثير من الصحة ومبالغ فيها. عاش فرانك ماكورت في نيويورك مع والديه وأربعة أشقاء أصغر منه، هم: ملاخي، وُلد في عام 1931؛ وتوأمان هما أوليفر ويوجين، وُلدا في عام 1932؛ وأخت صغيرة هي مارغريت، توفيت بعد 21 يومًا فقط من ولادتها. عادت العائلة إلى أيرلندا في عام 1934 في خضم الكساد العظيم. عجزت عائلة ماكورت عن العثور على عمل ثابت في بلفاست أو دبلن، وعانت من إدمان ملاخي ماكورت الأب على الكحول، وعادت إلى بلدتها الأصلية ليميريك، حيث غرقت في الفقر بشكل أعمق. كتب بعدها سيرتان لفترتين لاحقتين من عمره.
فرانك ووالديه (في الفيلم)

يتناول المخرج البريطاني “ألان باركر” فيلم «رماد أنجيلا» 1999، والذي أنتجه “ديفيد براون وسكوت رودين” وقامت بعمل السيناريو “لورا جونز” وشاركها في ذلك المخرج “باركر”، من بطولة؛ روبرت كارليل، وإميلي وأتسون، ومايكل ليج (فرانك كبيرا)، كيرن اونس (فرانك فتى) وجون كيني (فرانك صغيراً)، عدة محاور أهمها الفقر المدقع وعواقب إدمان الكحول والصراع الديني. ويعمد على أن يكون الراوي هو البطل الطفل “فرانك” ويكون حاضراً في كل المشاهد، وساهم “ألان باركر” في نقل صورة حية لانطباعات وتجارب من حياة البطل وتعامل مع الشخصية دون تسليط الضوء بشكل كبير على المشكلات العديدة للأنظمة السياسية التي ربما تستوجب مساحات من الصمت الطويلة.
تعيش الأسرة في حي فقير غارق بالمطر، ويتقاسم الآباء والأطفال سريرًا واحدًا معًا، كان والد فرانك يصرف المال القليل الذي بحوزتهم على الكحول. وجد والده، الذي يعود أصله إلى الشمال ويحمل لهجة شمالية، أن هذا الإدمان يشكل ضغوطًا إضافية في رحلة العثور على عمل. توفي التوأمان أوليفر ويوجين في مرحلة الطفولة المبكرة بسبب ظروفهم البائسة، ووُلد صبيان آخران، هما: مايكل، الذي عاش فيما بعد في سان فرانسيسكو (حيث كان يطلق عليه «عميد السقاة») حتى وفاته في سبتمبر 2015؛ وألفونسوس، الذي نشر مذكراته الخاصة وتوفي في عام 2016. كاد فرانك نفسه أن يموت تقريبًا بسبب حمى التيفوئيد حين كان في الحادية عشرة من عمره. ذكر ماكورت أنه حين كان في الحادية عشر من عمره، غادر والده ليميريك للعثور على عمل في مصنع في زمن الحرب في كوفنتري بإنجلترا، ونادرًا ما كان يرسل الأموال لدعم أسرته. في نهاية المطاف، يروي غرانك أن والده تخلي عن أمه تمامًا، وتركها لتربية أطفالها الأربعة الناجين، على حافة المجاعة، دون أي مصدر للدخل. انتهى تعليم فرانك المدرسي في سن 13 عامًا، حين رفضه الإخوة المسيحيون الأيرلنديون. عمل فرانك بعدها في وظائف غريبة وسرق الخبز والحليب في محاولة لإبقاء والدته وثلاثة إخوة على قيد الحياة. 
فرانك شاباً في المدرسة (في الفيلم)

وما يعزز تلك الحيوية في الفيلم والتركيز في المسار استخدامه للألفاظ العامية المتداولة آنذاك في حي ليمبرك الأيرلندي في الثلاثينات من القرن العشرين، وبأسلوب ساخر أبعد ثقل الكآبة عن الأحداث التراجيدية، سواء من خلال المفارقات أو في محاولة فهم فرانكي للعالم وما يجري فيه.
تطرق “باركر” في أحداث الفيلم لحي بروكلين في نيويورك حينما كانت تعاني أميركا من ركود اقتصادي، وذلك بعد وفاة أخت فرانكي الصغرى وتعطل الوالد مالاشي ماكورت، مما دفع هذه العائلة الأيرلندية الأصل إلى العودة إلى موطنها الأم بعد وصول دعم مالي من والدة أنجيلا، ولتستقر العائلة في ليميرك جنوب غرب أيرلندا.
من المشاهد المثيرة التي يربط فيها “باركر” ما بين الفقر وبين التشرذم والضياع هو إضاعة رب الأسرة لنفسه مستخدماً معيار الإدمان على الكحول للتفرقة بين الأب وأسرته، خصوصاً في المجتمعات المتضررة اقتصادياً، نلاحظ ذلك حين عاشت الأسرة في البداية على مساعدات الأهل ومن ثم على معونة الحكومة، قبل أن يستقر بها الحال في إحدى الغرف المفروشة في العاصمة دبلن لتوفر فرص أكبر للعمل. كانت معاناة الأسرة من إدمان الوالد على الكحول مستمرة، فبعدما استطاعت أنجيلا أن تقبض المعونة بنفسها التي كان يصرفها مالاشي على الكحول، كان مالاشي يتنقل من عمل إلى آخر مع صرفه لكل أجر يحصل عليه. 
المؤلف: فرانك ماكورت

ويسلط مخرج الفيلم على “فرانكي” وهو يروي تلك الأحداث بفكره الطفولي حين يتساءل من خلال طلب والدته منه البحث عن أبيه في الخمارات يوم استلامه لأجره: “لقد كان إنسانًا جيدًا فلماذا يفعل ذلك الآن ونحن في أمس الحاجة إلى المال مما يضطرنا أنا وأمي للقيام بأعمال دنيئة؟!”. يتميز الفيلم بطبعه الحاد في تأزيم الحال، حيث توفى أحد التوأمين اللذين أنجبتهما أنجيلا بعد عودتها ليلحقه الآخر به بعد مضي ستة أشهر. فيقول فرانكي عن ذلك: “مع كل وفاة كانت العائلة تنتقل إلى سكن جديد هربا من آلام الذكريات” حتى استقر بهم المطاف في بيت مستقل.
يصور لنا “ألان باركر” مع دخول “فرانك” وأخيه “مالاشي” الأصغر إلى المدرسة، عالما جديدا حافلا بالاكتشافات والمغامرات والصراعات أيضا. كانت البداية من خلال سخرية الطلبة منهما كأميركان، ثم تنمر عدد من الأولاد عليهما، إلى جانب قسوة وضرب الأساتذة لهم بلا رحمة، وبعض الصداقات التي كونها فرانكي بعد حين والتي كشفت له عن عائلات أشد فقرا وجوعا، إلى جانب نبذ الأطفال المنتمين إلى البروتستانية. 
مخرج الفيلم: ألان باركر

يظهر الفيلم أن ثمة تعاطفا وتفهما مع دخول “فرانك” إلى المشفى لإصابته بالتيفوئيد التي بدأت بعدها علاقته بالكتب، وهي الفترة التي شكلت النواة لحبه للمعرفة وطموحه إلى الخروج من دائرة الفقر عبر السفر إلى أميركا، ولتحقيق هذا الحلم ثابر وبدأ بالعمل. ومع رحيل الأب إلى انجلترا مع بداية الحرب العالمية، تدهور وضع الأسرة مما دفع “فرانك” إلى ترك الدراسة في الثالثة عشر من عمره والالتحاق بعمل يومي “ساعي بريد” بنقل البرقيات إلى أصحابها. عمل بعد ذلك في توزيع إحدى الصحف لمدير بروتستانتي ولم يكن يتردد في كسب المزيد من المال كلما أتيحت له الفرصة، كما ساعد سيدة مرابية في كتابة رسائلها إلى دائنيها، مع حرصه على إخفاء أمر ما يدخره من مال إضافي لرحلته عن والدته.
ورغم كل شيء، أخذ يتحسن وضع الأسرة قليلاً، حيث عاشت أخيرا في بيت شقيق “أنجيلا” التي وجدت لنفسها عملا أيضا. وتتاح لفرانكي الذي بلغ التاسعة عشر الفرصة لاستكمال المبلغ القليل المتبقي لتكاليف الرحلة، حينما تموت المرابية بصورة مفاجئة بعدما كلفته بمهمة خارجية. وعندما يكتشف موتها لا يتردد في سرقة المال اللازم لرحلته إلى جانب دفترها الخاص بسجلات الدائنين ليرحمهم منها. وهكذا حقق حلمه أخيرا في السفر إلى أميركا، ليبدأ حياة جديدة وكتابا آخر. 
غلاف الرواية

يستقي “فرانك ماكورت” عنوان الرواية/الفيلم من مقطع سمع فيه والدته وهي تعاشر رجلاً آخر -على مضض- كي توفر المبيت ولقمة عيش لأبنائها، فجأة بدا له أن كل شيء أصبح رماداً وكل شيء يتلاشى دون أن يترك أثراً أو يبلغ أمراً، وهذا ما دفع به بأن يجعل الهجرة إلى أمريكا تخيم على وجدانه.

سعد أحمد ضيف الله 




غلاف الفيلم في مشهد مأساوي تختلط فيه النكهة الأمريكية بالإيرلندية، وفي مزاوجة بين اللقطات الواسعة للشاشة العريضة واللقطات القريبة التي تركز ...