الجمعة، 1 يناير 2021

كتاب: مرة إثر مرة


من دواعي سروري أن أعبر بكلمات على سبيل المقدمة الإيضاحية؛ هذا الكتاب فيه رؤية وديعة قد جمعت على شكل رسائل تنموية من حصيلة قراءات ودراسات جمة تفوق عن مئة إصدار.

عندما تفكرتُ في كيفية تقديم هذه الرسائل الأساسية، قادني التأمل العميق إلى استعمال كلمة تنظيمية لكل ما يحتويه هذا الكتاب، وهذا بالضبط ما ساعدني في أن تكون رسالة المحتوى واضحة، وإن تعددت الأساليب المطروحة إلا أن المضمون في شكله النهائي يرتكز على هدف وحيد غير أنه متشعب في الظاهر، بينما لو ركزنا التفكير لسلمنا أن الهدف واحد ورئيسي.

في أحيان كثيرة لا يصل المرء خلال رحلته الإنسانية المجيدة نحو عالم النضج إلا على مدى طويل جداً، وما هو معلوم أن النضج الحقيقي لا يستوي إلا من الباطن، من داخل الإنسان ذاته، وهذا الداخل له منفذ، وهذا المنفذ نسميه بوابة تحتاج إلى طارق يطرقها ليدلف إلى الداخل، غير أنها شبيهة بالبوابة الاحترازية، وهي في الغالب مهجورة ومقفلة ببابٍ من حديد، وربما تآكل هذا الباب وأصابه الصدى. كذلك من الصعب أن نجلب من يطلي الباب الداخلي طلاءً على تراكمات متهالكة، بل في اعتقادي أنه من الأفضل أن نعيد ترميم البوابة وكل ما في المبنى، ومن ثم تهيئة مبنى متكامل بحلة جديدة، وهذا الأمر يحتاج مدة ليست بالبسيطة كي يخرج المبنى في أبها صورة. بمعنى أن من يدلف إلى هذا المبنى الجديد قد تكون خريطته مجهولة في أول وهلة رغم أنه مقر بديع، لهذا يترتب عليه الصبر شطر الوقت كي يستوعب المكان ويعتاد عليه، ومن ثم سيستمتع بالفعل بكل ركن من أركان هذا المقام الجميل.  

إن الدرجة الأولى التي نرتقيها نحن جميعاً هي تلك التي تأخذنا من العدم إلى الوجود، فيما الدرجة الثانية ارتقاءً من الجهل إلى المعرفة، وهذه الدرجة التي وصل إليها نسبة كبيرة من البشر، أما الدرجة الثالثة فهي الارتقاء من المعرفة إلى الإدراك وهذه الدرجة وصل إليها نسبة لا بأس بها من الناس. الدرجة الرابعة من الإدراك إلى الوعي هي الدرجة التي يسعى هذا الكتاب إيصال القارئ الكريم إليها وهي درجة متقدمة وراقية جداً، ثم تأتي الدرجة الخامسة السامية من الوعي إلى التنوير، يتحصل عليها المرء حسب اجتهاده.  

ينهي العديد منا حياته وهو لم يشهد سوى درجتين، للأسف. الطموح في هذا الكتاب أن نرتقي جميعاً إلى درجتين إضافيتين متاحتين أمام كل واحد منا. عندما نصعد هاتين الدرجتين ونصل إلى الدرجة الرابعة، وهذا في اعتقادي ما يوصلنا إليها هذا الكتاب، فالحياة سيكون لها معنى آخر، ومذاق مختلف، وكل ما هو مطلوب هو قراءة المحتوى بصمت ليس إلا، القراءة بهدوء مرة، وهذا في حد ذاته ما يجعل المعاني تتسرب عبر بوابة الداخل، ثم إعادة الكرة مرة إثر مرة، وربما يلاحظ القارئ الكريم السهولة الممتنعة في المحتوى تسهيلاً للوصول إلى الأفكار الرئيسية، وخطورة الأمر الاستسهال الذي ربما يؤدي إلى عدم التطبيق وهذا في حدث ذاته ما نعانيه فعلاً. فجميعنا يردد أننا نعلم ذلك، كلنا يعلم، لكن ليس كلنا يطبق. ثم بعد ذلك بقدورنا جميعاً القيام بالقفزة التي توصلنا إلى الدرجة الخامسة التنويرية.

يحمل هذا الكتاب رسائل تنموية مكتوبة بعناية وصافية كالماء لتملأ وعاء النفس بهدوء، لذلك يفضل أن تقرأ بصمت مطبق كي تألف المكان في الداخل، فأي "تشويش" أو "شوشرة" يعكر هذا الصفاء، فالنفس رقيقة وجامحة في الوقت ذاته، وتعتبر الدائرة المركزية الرئيسية المستحقة للعناية والاكتشاف، ومن ثم تنبثق بعدها دوائر خارجية تهتم بالعلاقات وتدرجاتها في الحياة.

عندما تعيش هذه الحياة الحقيقية يبدأ ظهور ما يسمى "المعجزات"، أو على أضعف تقدير "تحقيق الرغبات والأمنيات"، دون التأثر بما يحصل في الخارج من مؤثرات أو الانزعاج بأي سلبيات محيطة.

نستطيع تغيير حياتنا الفردية إلى ما هو جميل، ففي الدنيا جنة من دخلها دخل جنة الآخرة (ويدخلهم الجنة عرفها لهم في الدنيا) الآية محمد6، نستطيع تذوق طعمها، وأول ثمراتها هي السعادة، تتأتى عبر السلام الذي منبعه من الداخل. السلام الداخلي هو ذا الهدف الأسمى.

 

خالص الود

سعد

 في هذا اليوم جابهنا موقفاً محرجاً، مصيرنا أمسى تحت العراء، ولم يعد بوسع أحد منا أن يدخل إلى المنزل، فأثاثنا العتيق لم يعد صالحاً للاستعمال....