السبت، 1 مارس 2014

زخات

 

ينقضي نصف النهار والمركبة تتمايل في وسط العجاج، تسير واهنة من وسط البلاد إلى شرقها. الأتربة، وأغصان العشب البري، اليابس، المتطاير، يلعق واجهتها الصفراء، ويصطدم بزجاجها المرمل من مخاضة الصحراء. 

المركبة كانت مزدحمة بالركاب، وسالم مقعٍ خلف زجاج النافذة، يرتدي سترة سوداء على ثوب تقليدي. ويضع على رأسه عمامة حمراء، منحسرة عن شعر أشعث، يغطي الأذنين ونصف الجبهة. وفي حضنه آلة العود، صاحبه وملاذه الذي لا غنى عنه. 
كان يحاول مع هذا النهج المليء بالسموم، النوم ولو للحظات، يستجدي أن يغمض غمضات، فهو إما متلثماً تارة، وأما مكوراً العمامة على رأسه تارة أخرى. 
التراب قاس وخشن في أحايين كثيرة، وبالأخص حين يمتد على مسافة طويلة، تزيد كيلومتراتها عن أربعمئة، تبدأ بمسافة تلال رملية متماوجة، وتنتهي على أرض بيضاء، سبخاء، متشققة، طولاً وعرضاً بلا انقطاع، حتى تلتقي بالسماء. 
يحاول سالم، ويحاول، لكن الوسن مع هذه الحالة ينتفي، والعطش أيضاً يطغى.
كانت الأتربة تزحف وتغطي سواد الطريق، من أمامهم قليلاً، وبعدهم بكيلو، وكيلات، رمال، ورمال. لا أحد على الطريق غير الشاحنات وبعض المركبات الحذرة. الطيور لا ترى غير السير ولا أحد يتوقف لترمق ما يتساقط من زواد الركاب. 
وبعيداً، بعيداً عن الديار، الطقس يزداد سوءاً، الغبار يصطبغ بالهواء، فهم يتساسرون بأن الصفار يغزو القفار منذ ما يزيد عن جمعة. 
بعد الأصيل شارفوا على المدينة، فلم يعد يستقيم رأيه إلا على لقاء صاحبه، ليشتري جرعة المخدر قبل حلول المساء. لم ينتظر طويلاً في الموقف، حتى وصلت مركبة الآخر، فاستلهما يمضيان نحو المروّج على عجل. المزاج العالي، والصاخب، له مطالب. ولا يريبهم، أن الطرب في هذه الليلة، مع الفنان الشعبي، في محل انتظار.
فجأة! 
يتبدل السلوك! من كيل اللعنات على الأجواء القاتمة، إلى نظرة متأملة نحو عيني امرأة عجوز، ارتسم اليأس على محياها وهي تتلمس المراكب، تراوح فيما بينها، عند إشارة لا يحترمها أحد. وفي يدها السمراء، اليابسة، المجعدة، ورقة بيضاء.
فجأة أخرى! 
رأسها أصبح داخل المركبة، تصغي الصمت، تصوب العينين صوب سالم، تقول: (الحالة، الحالة متعثرة. منذ، منذ ثلاثة، ثلاثة أشهر.
فجأة أخيرة! 
كان في جيب سالم خمس مئة، والورقة البيضاء مبلغها خمس مئة، والمخدرات على نحو خمس مئة. بدأ يسترق النظر، بعين واحدة، فعينين، ثم يفكر، يفكر أكثر، ثم يتردد، فليس ثمة خيار، مد يده إلى جيبه، ثم تردد، ثم بسرعة يخرج الخمس مئة، ويناولها المرأة. أسند رأسه على المقعد. وأغمض عينيه، ثم قال: (امضي إلى الموقف). 
تمسك وصاحبه بالصمت، ودون تمييز للهمسات، أرجعه صاحبه إلى الموقف، فانتصب واقفاً، تخالط دموعه زخات المطر.

سعد أحمد ضيف الله 

سعد أحمد ضيف الله الوعي يعني سمع، أي وعت أذنه صوتاً، وهو الفهم، أي المحصول الفكري الذي ينضوي عليه العقل. والواعي هو حاضر البديهة، ولديه تواص...